
رأى
هل يجوز لنا أن نثور في القضايا الّتي تتمثل بمسألة العدالة فينا؟ أو أنّه لا يجوز لنا ذلك؟
ربّما يفكّر بعض الناس بأنّ على المسلمين أن لا يُلقوا بأيديهم إلى التهلكة، لأنهم عندما يثورون في وجه الظالم القوي أو المستكبر الطّاغي الجائر، فإنهم يعرّضون أنفسهم للتهلكة، والله يقول: {ولا تُلْقُوا بأيديكمُ إلى التهلُكة} (البقرة/195).
وربّما يفكّر آخرون بأن الله لا يريد للمسلم أن يكون عبداً لغيره، ولا يريد له أن يكون ذليلاً لأي شخص، ولا يريد له أيضاً أن يقبل بالظلم، وأنّ عليه أن يواجه هذه الأمور بطريقة التحدّي والمواجهة، حتّى لو أدّى ذلك إلى أن يسقط جريحاً أو صريعاً في المعركة.
كيف نستطيع أن نختار بين هذه الرأيين؟
وكيف نستطيع أن نجد الأساس الشرعي لأي من الخيارين؟
هناك طريقتان تتكاملان في هذا المجال:
الطريقة الأولى: هي أن نبحث في الكتاب والسنة، باعتبارهما المصدرين اللذين نأخذ منهما كلّ أحكامنا الشرعية، لنجد أن الكتاب الّذي قال: {ولا تُلقُوا بأيدِيكُم إلى التَّهلُكَة}، قال: {وجاهِدوا في اللَّهِ حق جهاده} (الحج/78).
فنفهم من ذلك، أنّ الجهاد لا يمثل حالة إلقاء النفس في التهلكة الّتي تمثّلها الحالات الانتحارية أو الحالات الذاتية الّتي يخشى فيها الإنسان الخطر على نفسه، دون أن تكون هناك قضية كبيرة تقف وراء حركته.
أمّا مسألة الجهاد، فإنَّ الله اعتبره خطّاً من أجل إقامة العدل، ومن أجل تحقيق الحريّة للناس الذين لا يريد الله لهم أن يكونوا عبيداً إلاّ له.
ومن تأكيد العزّة والكرامة الّتي يريدها الله للمؤمنين، نجد أن القرآن الكريم يقول: {وللَّهِ العِزَّةُ ولرسُولِهِ وللمُؤمِنين} (المنافقون/8).
ويفسّرها الإمام جعفر الصادق (ع) فيقول: «إنّ اللَّهَ فوّضَ إلى المؤمِن أُمورَهُ كلَّها ولم يفوِّض إليهِ أن يُذِلَّ نفسه»(1).
معنى ذلك أنّ الإنسان ليس حراً في أن يُذلّ نفسه، والله سبحانه وتعالى يريد للإنسان أن يكون حرّاً، بمعنى أن لا يرضخ لعبودية المستكبرين، ولهذا قال الله للمستضعفين الذين فضّلوا العبودية على مواجهة المستكبرين:
{الذينَ تَوفّاهُمُ الملائكةُ ظالمِي أنفُسهمْ قالُوا فِيمَ كُنتمُ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفينَ في الأرض قالُوا ألَمْ تكُنْ أرضُ اللَّهِ واسعةً فَتُهاجروا فِيها فَأُولئكَ مأواهُم جَهنَّمُ وساءتْ مَصِيراً} (النساء/97).
{وما لَكُم لا تُقاتِلونَ في سَبيلِ اللَّهِ والمُستضْعَفينَ منَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلدانِ الّذينَ يَقولونَ رَبّنا أخْرِجْنا مِن هذهِ القريةِ الظالمِ أهلُها واجعلْ لَنا مِن لدُنك وَليّاً واجعلْ لَنا مِن لدُنكَ نصيراً} (النساء/75).
{ومَنْ يُهاجِرْ في سَبيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الأرضِ مُراغماً كثيراً وَسَعَةً ومَنَ يَخرُجْ من بيته مُهاجِراً إلى اللَّهِ وَرَسولِه ثمّ يُدْرِكْهُ الموتُ فقدْ وَقَعَ أجْرُهُ عَلى اللهِ وكانَ اللَّهُ غَفوراً رَحيماً} (النساء/100).
إنّ المسألة هي أنّ الملائكة تقول للمستضعفين الذين فضَّلوا أن يقعوا تحت تأثير الضعف فيستسلموا للمستكبرين: إنّ الله يقول لكم: إنكم في جهنّم، لأنكم إن لم تستطيعوا مواجهة الكفر في هذا المكان، فإنّ عليكم أن تخرجوا إلى مكان آخر تستجمعون فيه القوة: {إلاّ المُستَضعَفينَ من الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ لا يَستطيعُونَ حِيلَةَ ولا يَهتدُون سَبِيلاً} (النساء/98).
فأولئك أمرهم موقوف عسى الله أن يعفو عنهم.
فالله لا يريد لنا البقاء في حالة الاستعباد إذا كنا نقدر على مواجهة الظلم والكفر. وهكذا نستطيع أن نأخذ من كل آيات الجهاد، ومن كل آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن كل آيات رفض الظالمين وعدم الركون إليهم، شرعية التحرك في مواجهة الظالم، والتصدّي لكلّ قوى الاستكبار والاستعباد والذلّ في العالم.
ثم قد نحتاج إلى القدوة، وقدوتنا في الحياة هي رسول الله (ص) في مواجهة المشركين، حيث نأخذ منها ومن آيات الله الّتي تحركت متحدّثة عن كل حروب رسول الله (ص) وانطلقت لتشرّع القتال للمسلمين: {أُذِنَ لِلَّذينَ يُقاتَلونَ بأنَّهُم ظُلِمُوا وإنّ الله على نَصرِهِم لقَدِير} (الحج/39).
في الإسلام عندما يكون الحكم جائراً وظالماً، فللمسلمين أن يثوروا على الحاكم الجائر، وإذا لم ينسحب الحاكم من الحكم ولم يستسلم للشرعية الإسلامية، فمن حق المسلمين أن يزيلوه بالقوّة حتّى لو قتلوه.
عندما تكون المسألة مسألة الحكم الإسلامي والعدالة في المسلمين، وحريتهم وعزتهم ومستقبلهم، فلا حرية لأحد في مقابل ذلك.
وقد يُثار موضوعٌ ما إذا كان الحاكم مسلماً ينطق بالشهادتين، ولكنه ظالم ويعطي البلاد الإسلاميّة للمستكبرين، وللكافرين وللطغاة، ويمكّن الكافرين من رقاب المسلمين، ويشرِّع للمسلمين غير شريعة الله.. فهل يجوز مواجهته؟
ربّما يقول البعض إنّه لا يجوز لنا أن نقاتل المسلمين. هذا حاكم مسلم يشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله، والقرآن يأمرنا بإطاعة أولي الأمر في قوله تعالى: {يا أيُّها الّذينَ آمنوا أطيعوا اللَّهَ وأطِيعوا الرسولَ وأُولي الأمرِ مِنكُم} (النساء/59).
وهناك من يقول: لا يجوز القتال فيما بين المسلمين، حتى لو كانت المسألة مسألة إقامة العدل وهدم الظلم، ويستشهدون بقول الرسول محمد (ص): إذا التقى المسلمانِ بسيفيهما على غير سُنّة فالقاتلُ والمقتولُ في النّار. فقيل يا رسول الله: هذا القاتِلُ، فما بالُ المقتولِ؟ قال: لأنّه أرادَ قتْلاً(1).
ومن وجهة إسلامية، فإنَّ من حق المسلمين، في أي بلد إسلامي يتحرّك فيه الحاكم ليفرض سياسة الكفر والطغيان على المسلمين، أن يقاتلوه.